سيد قطب

1953

في ظلال القرآن

اللّه وسلامه - وانطباعات هذه البيئة في تفكيرهم ومشاعرهم وتقاليدهم ، وحاجتهم النفسية - من ثم - إلى مبرر للجريمة ، وإلى طريقة للتحلل من نكارتها وبشاعتها : « لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ . إِذْ قالُوا : لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا - وَنَحْنُ عُصْبَةٌ - إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ! اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ، وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ ! قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ : لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ ، يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ - إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ! - قالُوا : يا أَبانا ، ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ ؛ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ . أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ ، وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ! قالَ : إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ ، وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ . قالُوا : لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ . فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ ، وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ . وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ ، قالُوا : يا أَبانا ، إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ ، وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ، وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ . وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ، قالَ : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً ، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ » . . ونحن نجدهم - هم هم - في كل مواقف القصة بعد ذلك - كما نجد موقف أحدهم الخاص من أول القصة إلى آخرها - فما إن يذهبوا بأخي يوسف بعد ما طلبه منهم وهم لا يعرفونه يحسبون أنه عزيز مصر الذي قدموا من بلادهم - كنعان - ليشتروا منه القمح في سنوات الجدب العجاف ، حيث يدبر اللّه ليوسف أن يأخذ أخاه منهم بحجة أنه وجد صواع الملك في رحله . . ما إن يروا هذا التدبير - وهم لا يعلمون ما وراءه - حتى ينفجر حقدهم القديم على يوسف : « قالوا : إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ! فأسرّها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم . قال : أنتم شر مكانا ، واللّه أعلم بما تصفون » . . كذلك نجدهم - هم هم - بعد مواجهة أبيهم بالفجيعة الثانية في شيخوخته الحزينة ، فما إن يروا تجدد حزنه على يوسف حتى ينفجر حقدهم القديم ، دون مراعاة لشيخوخة أبيهم ونكبته الأليمة : « وتولى عنهم وقال : يا أسفا على يوسف ! وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم . قالوا : تاللّه تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين ! » . . ومثلها عندما أرسل يوسف قميصه إلى أبيه في النهاية - بعد ما كشف لهم عن شخصيته - فلما رأوا أباهم يستنشق عبير يوسف ، غاظهم هذا الاتصال الباطني الدال على عمق ما بينه وبين يوسف ، فلم يملكوا أنفسهم أن يبكتوه ويؤنبوه : « ولما فصلت العير قال أبوهم : إني لأجد ريح يوسف ، لولا أن تفندون ! قالوا : تاللّه إنك لفي ضلالك القديم ! » . . * وامرأة العزيز . . في صرع الشهوة التي تعمي عن كل شيء في اندفاعها الهائج الكاسح ، فلا تحفل حياء أنثويا ولا كبرياء ذاتيا ، كما لا تحفل مركزا اجتماعيا ولا فضيحة عائلية . . والتي تستخدم - مع ذلك - كل مكر الأنثى وكيدها ، سواء في تبرئة نفسها أو حماية من تهوى من جرائر التهمة التي ألصقتها به ، وتحديد عقوبة لا تؤدي بحياته ! أو رد الكيد للنسوة من ثغرة الضعف الغريزي الشهوي الذي تعرفه فيهن من معرفتها لنفسها ! أو التبجح بشهوانيتها أمام انكشاف ضعف عزيمتها وكبريائها أمام من تهوى ، ووقوف نسوتها معها على أرض واحدة ، حيث تبدو فيها الأنثى متجردة من كل تجمل المرأة وحيائها ، الأنثى التي لا تحس في